علي بن محمد البغدادي الماوردي

358

النكت والعيون تفسير الماوردى

وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ يعني اللّه تعالى وحده ، الآيات . فإن قيل : ما فائدة هذا التكرار ؟ قيل : فيه وجهان : أحدهما : أن قوله في الأول « لا أَعْبُدُ » و « ما تَعْبُدُونَ » يعني في الحال ، وقوله الثاني : يعني في المستقبل ، قاله الأخفش . الثاني : أن الأول في قوله « لا أَعْبُدُ » و « لا أَنْتُمْ » الآية يعني في المستقبل « 503 » ، والثاني : إخبار عنه وعنهم في الماضي ، فلم يكن ذلك تكرارا لاختلاف المقصود فيهما . فإن قيل : فلم قال « ما أَعْبُدُ » ولم يقل « من أعبد » ؟ قيل : لأنه مقابل لقوله : وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وهي أصنام وأوثان ، ولا يصلح فيها إلا « ما » دون « من » فحمل الثاني على الأول ليتقابل الكلام ولا يتنافى . لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ فيه وجهان : أحدهما : لكم دينكم الذي تعتقدونه من الكفر ، ولي ديني الذي أعتقده من الإسلام ، قاله يحيى بن سلام . الثاني : لكم جزاء عملكم ، ولي جزاء عملي . وهذا تهديد منه لهم ، ومعناه وكفى بجزاء عملي ثوابا ، قاله ابن عيسى . قال ابن عباس : ليس في القرآن سورة أشد لغيظ إبليس من هذه السورة ، لأنها توحيد وبراءة من الشرك « 504 » .

--> ( 503 ) في هذه الآيات تأكيد واضح لاستقلالية الإيمان وأن العقيدة الإسلامية لا تقبل أنصاف الحلول مطلقا إذ أن أركان الإيمان وحدة متكاملة لا تقبل التجزئة على الإطلاق فمن اعتراه ريب أو شك في عقيدته فقد ضل ضلالا بعيدا ومجرد النطق بكلام الكفر يخرج الشخص عن الإسلام ويحبط عمله الصالح قال تعالى : وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ولو أن شخصا نوى بقلبه أن يكفر بعد حين فقد ارتد عن الإسلام بمجرد هذه النية ولا يعود إلى الإسلام إلا بعد التبرؤ من كفره ثم الإتيان بالشهادتين ولا ينفعه الاستغفار قبل الشهادتين . ( 504 ) كيف لا وقد اشتملت هذه السورة على نوعي التوحيد القولي والعملي ولهذا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقرأ بها في مناسبات خاصة .